إسبانيا تطلق مسار AI360 لصياغة عقد اجتماعي حول الذكاء الاصطناعي
تضع خطة بيدرو سانشيز AI360 الوظائف والمسؤولية والتزييف العميق والبنية التحتية في قلب مسار سياسي يمتد عاما، فيما لا يزال قانون وطني للذكاء الاصطناعي بعيدا.

أطلق رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز مسار AI360 في 21 سبتمبر، عارضا عملية تمتد اثني عشر شهرا وتهدف إلى تحديد الطريقة التي ستدير بها إسبانيا الذكاء الاصطناعي في مجالات العمل والرقابة العامة والبنية التحتية والحقوق. ولا ينشئ الإعلان في حد ذاته قانونا جديدا. بل يبدأ مسارا سياسيا تقول الحكومة إنها ستدعو خلاله الشركاء الاجتماعيين الشهر المقبل للعمل على عقد اجتماعي جديد، مع وضع أمن الوظائف في مركز النقاش.
التغيير هنا سياسي وإجرائي أكثر منه تشريعي. فإسبانيا تنتقل من القلق العام إزاء الذكاء الاصطناعي إلى نقاش وطني منظم له مدة محددة وقائمة قضايا ذات أولوية. وربط سانشيز المسار بالتوظيف، والمسؤولية القانونية، والتزييف العميق، والصحة النفسية للشباب، والملكية الفكرية، وبنية مراكز البيانات، والرقابة العامة. وتكمن أهمية هذا الإطار في أنه يتعامل مع الذكاء الاصطناعي ليس فقط كأجندة تكنولوجية، بل أيضا كسؤال يتعلق بالعمل والمسؤولية والبنية التحتية.
مسار يسبق القانون
لا تعادل مبادرة AI360 مشروع قانون الذكاء الاصطناعي الوطني في إسبانيا. فمن غير المتوقع صدور مشروع القانون قبل نهاية 2027، ما يعني أن المسار الحالي يقع في الفجوة بين وضع الأجندة السياسية والتشريع الرسمي. لذلك يتمثل دوره العملي في جمع المواقف، واختبار أولويات السياسة العامة، وتحديد شروط تسوية مستقبلية قبل أن تصل الحكومة إلى مرحلة نص قانوني وطني.
تمنح مدة الاثني عشر شهرا هذا المسار جدولا زمنيا محددا، لكنها لا تثبت أن توافقا سيحدث. إنها تضع نافذة للتشاور وتصميم السياسات. ويشير الاجتماع المخطط له مع الشركاء الاجتماعيين الشهر المقبل إلى أن آثار سوق العمل هي أول مجال ملموس للتفاوض. وفي هذا السياق، يعني مصطلح «العقد الاجتماعي» محاولة مواءمة أصحاب العمل والعمال والحكومة حول قواعد أو التزامات لاستخدام الذكاء الاصطناعي في أماكن العمل، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأمن الوظائف.
يتوقع سانشيز أن تستخدم أكثر من نصف الشركات الإسبانية الذكاء الاصطناعي بحلول 2030. هذا الرقم هو توقع حكومي، وليس قياسا مستقلا لمستوى التبني الحالي، ولا معيارا صادرا عن مورّد تكنولوجي. وهو يدعم حجة الحكومة بأن الذكاء الاصطناعي سيصبح أداة أعمال شائعة، لكنه لا يوضح كيف ستستخدم الشركات الذكاء الاصطناعي، ولا أي القطاعات ستتبناه أسرع، ولا ما إذا كان التبني سيترجم إلى مكاسب إنتاجية أو فقدان وظائف أو مهام جديدة.
الوظائف والمسؤولية والأضرار
يمثل التركيز على التوظيف أوضح دلالة عملية للشركات والعمال. فإذا أدخل عدد أكبر من الشركات أنظمة ذكاء اصطناعي، ستظهر أسئلة حول أتمتة المهام، ومراقبة العمال، وأدوات التوظيف، والتدريب، وتوزيع المكاسب. ويشير مسار AI360 إلى أن إسبانيا تريد مناقشة أمن الوظائف قبل أن يوضع إطار قانوني أوسع. كما يوحي بأن الذكاء الاصطناعي في مكان العمل قد يصبح موضوعا للتفاوض مع الشركاء الاجتماعيين، وليس فقط مسألة داخلية لفرق التكنولوجيا في الشركات.
دعا سانشيز أيضا إلى مسؤولية قانونية ومالية عن الضرر الخوارزمي. وينقل ذلك النقاش إلى ما يتجاوز بيانات الأخلاقيات الطوعية. فالمسألة هي تحديد من يتحمل المسؤولية عندما ينتج نظام ذكاء اصطناعي ضررا، سواء عبر نتائج تمييزية أو قرارات خاطئة أو مخرجات غير آمنة أو آثار ضارة أخرى. ولا يحدد الإعلان الآلية أو العتبة أو نموذج الإنفاذ. لكنه يحدد المسؤولية باعتبارها مكونا أساسيا في التسوية الاجتماعية المقترحة، لا مسألة تقنية ثانوية.
يشكل التزييف العميق، والصحة النفسية للشباب، وانتهاكات الملكية الفكرية جزءا آخر من الأجندة. وهذه مخاطر مختلفة، ويجمعها الإعلان تحت الحاجة الأوسع إلى رقابة أقوى. يثير التزييف العميق أسئلة حول التلاعب والأصالة. وتشير مخاوف الصحة النفسية إلى آثار الخدمات أو المحتوى المتوسّط بالذكاء الاصطناعي على المستخدمين الأصغر سنا. أما انتهاكات الملكية الفكرية فتتعلق باستخدام الأعمال المحمية أو إعادة إنتاجها. ولا يحل مسار AI360 هذه الأسئلة، لكنه يضعها على الجدول الزمني للسياسة الوطنية.
البنية التحتية تصبح جزءا من سياسة الذكاء الاصطناعي
تتضمن الخطة أيضا مصنع ذكاء اصطناعي ضخم، ونماذج مطورة مع مركز برشلونة للحوسبة الفائقة، وقسائم للشركات الصغيرة والعاملين لحسابهم الخاص، وتحديثات للمناهج، ورقابة أقوى. وتظهر هذه العناصر أن الحكومة الإسبانية لا تتعامل مع التنظيم والقدرة الصناعية كمسارين منفصلين. فالأجندة تجمع بين القدرة العامة، وتبني الأعمال، والمهارات، والإشراف، رغم أن الإعلان لا يقدم تفاصيل تنفيذية أو نتائج يمكن على أساسها تقييم هذه التدابير حتى الآن.
يشير مصنع الذكاء الاصطناعي الضخم المقترح والنماذج المطورة مع مركز برشلونة للحوسبة الفائقة إلى البنية التحتية والقدرة الوطنية. ولا توضح الوقائع المتاحة حجم المصنع أو تكلفته أو مواصفاته التقنية، ولا الاستخدامات المقصودة للنماذج. وما يمكن قوله هو أن الحكومة ترى أن قدرة الحوسبة وتطوير النماذج جزء من استراتيجية إسبانيا للذكاء الاصطناعي، بدلا من الاكتفاء بقواعد نشره في القطاع الخاص.
قال سانشيز إن مراكز البيانات ينبغي أن تُقيّم من حيث احتياجاتها من المياه والكهرباء. ويمثل ذلك إضافة مهمة إلى إطار السياسة لأنه يربط نشر الذكاء الاصطناعي بقيود الموارد. تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على بنية بيانات تحتية، وقد تحتاج مراكز البيانات إلى كميات كبيرة من المياه والكهرباء. ولا يقدم التصريح قياسات للاستهلاك المتوقع ولا يضع حدودا. لكنه يشير إلى أن الموافقات أو التقييمات الخاصة بالبنية التحتية قد تصبح جزءا من النقاش الوطني حول توسع الذكاء الاصطناعي.
ما الذي تظهره الأرقام وما الذي لا تظهره
الادعاءات الرقمية في الإعلان محدودة. تثبت عملية الاثني عشر شهرا أن الحكومة حددت فترة للتشاور وتطوير السياسات. ويظهر الاستدعاء المخطط للشركاء الاجتماعيين الشهر المقبل أول خطوة تشغيلية. أما توقع استخدام أكثر من نصف الشركات الإسبانية للذكاء الاصطناعي بحلول 2030 فهو توقع صادر عن رئيس الوزراء، وليس دليلا على الانتشار الحالي في السوق. ويظهر غياب مشروع قانون وطني للذكاء الاصطناعي قبل نهاية 2027 أن التشريع الوطني الملزم لا يزال على مسافة زمنية.
لا توجد في الوقائع المقدمة معايير أداء صادرة عن ناشرين، ولا اختبارات أداء للمنتجات، ولا قياسات مستقلة. وتشير الإحالة إلى مركز برشلونة للحوسبة الفائقة إلى تطوير النماذج، لا إلى نتيجة معيار أداء معلنة. ورقم تبني الشركات هو إسقاط سياسي، وليس ادعاء من مورّد، ولا معدل تبنٍّ جرى التحقق منه بشكل مستقل. وبالنسبة إلى القراء وصانعي السياسات، يظل هذا التمييز مهما: فالإعلان يدعم تحليل اتجاه السياسة الإسبانية، لكنه لا يسمح باستنتاجات حول الأداء التقني أو الأثر الاقتصادي أو مستويات النشر الفعلية.
على الصعيد الدولي، تفضل إسبانيا تعزيز مكتب الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي واللجنة العلمية التابعة للأمم المتحدة بدلا من إنشاء مؤسسة أخرى. ويضع هذا الموقف مسار AI360 ضمن هياكل الحوكمة الأوروبية والعالمية القائمة. وتتمثل الدلالة العملية في أن إسبانيا لا تقدم مبادرتها الوطنية كبديل عن التنسيق الأوسع. بل تربط التشاور المحلي بدعم المؤسسات المكلفة بالفعل برقابة الذكاء الاصطناعي أو التقييم العلمي. ويبقى السؤال غير المحسوم هو كيف سيتحول المسار الممتد عاما إلى قواعد قابلة للإنفاذ عندما يصل مشروع القانون الوطني في نهاية المطاف.
المصادر
- Spanish PM says unregulated AI could be devastatingIraqi News / AFP · ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦
- Sánchez launches AI360 and seeks a social contract for AIThe Next Web · ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦



