مهندسو البرمجيات المبتدئون يواجهون سوقًا يتقلص رغم ضجة الذكاء الاصطناعي
تتراجع وظائف البرمجة للمبتدئين رغم أن وكلاء الذكاء الاصطناعي للبرمجة ما زالوا يفشلون في المهام الطويلة الغنية بالسياق التي كان المبتدئون يتعلمون منها.

يشتد جدل حول ما إذا كانت "البرمجة الوكيلية" — أنظمة ذكاء اصطناعي تكتب الكود وتختبره وتصححه بمساعدة بشرية محدودة — على وشك أن تحل محل مهندسي البرمجيات المبتدئين، أم أنها تكتفي باستبدال المهام التي كانت الشركات تسندها إليهم. وبحسب موقع MarkTechPost، فإن هذا السؤال يُطرح عادةً بالمقلوب: إذ ينتقل البعض مباشرة من ارتفاع نتيجة معيار قياسي إلى استنتاج بشأن سوق العمل، متجاوزين كل خطوة كان ينبغي التحقق منها بينهما.
المعايير القياسية تقيس أقل مما تدّعي
يستشهد MarkTechPost بأبحاث "الأفق الزمني" التي أجرتها مؤسسة METR، والتي تقيس المدة التي يستغرقها إنسان ماهر لإنجاز مهمة معينة، ثم تحدد طول المهمة التي ينجح فيها نموذج الذكاء الاصطناعي بنسبة 50 بالمئة من المرات. تضاعف هذا الأفق تقريبًا كل سبعة أشهر منذ عام 2019، ويذكر MarkTechPost أن وتيرة هذا التضاعف تسارعت بين عامي 2024 و2026، بحيث أصبحت قدرات الأنظمة المتقدمة تُقاس الآن بالساعات لا بالدقائق. لكن عتبة النجاح بنسبة 50 بالمئة ليست عتبة يمكن لصاحب عمل أن يبني عليها توظيفه: فعند رفع عتبة الموثوقية إلى 80 بالمئة، كما يشير MarkTechPost، تكون النماذج المتقدمة شبه مثالية في المهام التي ينجزها الإنسان في أقل من أربع دقائق، لكن نسبة نجاحها تقل عن 10 بالمئة في المهام التي تستغرق أكثر من أربع ساعات. ويضيف MarkTechPost أن مهام METR نفسها مصممة عمدًا لتكون مكتفية ذاتيًا ومنفصلة عن أي سياق، وهو عكس تمامًا ما يعيشه المهندس المبتدئ في أشهره الأولى الحقيقية، التي تُستنفد غالبًا في استيعاب السياق: أي فريق يملك أي خدمة، ولماذا لا يزال تصميم قديم قائمًا، ومن يجب أن يُسأل.
يزداد المشهد سوءًا مع رقم ثانٍ يُستشهد به كثيرًا. ففي فبراير 2026، توقفت OpenAI عن نشر نتائجها على معيار SWE-bench Verified وأوصت مختبرات أخرى بفعل الشيء نفسه، بحسب ما نقله MarkTechPost عن إعلان المختبر نفسه. وكشفت مراجعة شملت 27.6 بالمئة من مجموعة البيانات أن ما لا يقل عن 59.4 بالمئة من المسائل التي جرت مراجعتها تضمنت حالات اختبار معيبة ترفض حلولًا صحيحة وظيفيًا، إلى جانب أدلة على تلوث بيانات التدريب. ويذكر MarkTechPost أنه في مجموعات اختبار أصعب وغير ملوثة مثل SWE-bench Pro، تنخفض نتائج النماذج المتقدمة بشكل حاد مقارنة بأرقام Verified التي تستشهد بها الشركات عند إطلاق منتجاتها.
التحقق هو العائق الحقيقي، لا كتابة الكود
يأتي أوضح دليل على التكلفة من تجربة عشوائية محكومة أجرتها METR مع 16 مطورًا ذا خبرة في المصادر المفتوحة، عبر 246 مهمة حقيقية في مستودعاتهم الخاصة، وينقلها MarkTechPost. فمع السماح باستخدام الذكاء الاصطناعي أو منعه بشكل عشوائي، توقّع المطورون تسارعًا بنسبة 24 بالمئة، وقدّروا لاحقًا أنهم أصبحوا أسرع بنسبة 20 بالمئة، لكن تسجيلات الشاشة أظهرت أنهم كانوا في الواقع أبطأ بنسبة 19 بالمئة. ويشير MarkTechPost إلى حدود هذه التجربة: أدوات تعود لأوائل عام 2025، ومجموعة صغيرة من المطورين ذوي الخبرة يعملون على أكواد يعرفونها جيدًا بالفعل. ومع ذلك، يعتبر MarkTechPost أن الفجوة بين الإنتاجية المُتصوَّرة والإنتاجية المقيسة فعليًا هي أهم نتيجة ثابتة في هذه التجربة، وهي بالضبط نوع التباين الذي يستحق أن يُذكر بوضوح بدل تجاهله أو تنعيمه.
تشير استطلاعات أوسع إلى الاتجاه نفسه. يستشهد MarkTechPost باستطلاع Stack Overflow لعام 2025 الذي شمل أكثر من 49 ألف مطور، حيث يستخدم 84 بالمئة منهم أدوات الذكاء الاصطناعي للبرمجة أو يخططون لذلك، بينما يرتاب 46 بالمئة بشكل فعلي في دقة النتائج، مقابل 33 بالمئة يثقون بها؛ ولا تتجاوز نسبة من يبدون ثقة عالية 3 بالمئة. ووجد بحث DORA التابع لغوغل، الذي شمل نحو 5 آلاف من المهنيين، أن 90 بالمئة يستخدمون الذكاء الاصطناعي في عملهم وأن أكثر من 80 بالمئة يعتقدون أنه رفع إنتاجيتهم، في حين أفاد 30 بالمئة بثقة ضئيلة أو معدومة في الكود المُولَّد بالذكاء الاصطناعي؛ ورغم تحسن الإنتاجية عامًا بعد عام، لم يتحسن استقرار عمليات التسليم. ويرى MarkTechPost أن ثلاثة شروط لم تتحقق بعد لكي تحل الوكلاء محل المبتدئين:
- أداء موثوق في مهام تحمل طول ومقدار السياق المسبق الموجودين في العمل الحقيقي للمبتدئ، لا في مهام معيارية مكتفية ذاتيًا
- نتائج معيارية تصمد في مجموعات اختبار أصعب وغير ملوثة، بدل الاعتماد على مجموعات مسحوبة من الاستخدام مثل SWE-bench Verified
- تكلفة تحقق، حين يراجع مهندس خبير نتاج الذكاء الاصطناعي، تكون أقل من تكلفة تفويض العمل ببساطة إلى شخص
بيانات التوظيف تُظهر التحوّل بالفعل
يرى MarkTechPost أن هناك شرطًا رابعًا لا يعتمد على الثلاثة الأولى: مدى استعداد الشركات لكسر مسار تدريبها الخاص الذي يحوّل المهندسين المبتدئين إلى مهندسين خبراء، بصرف النظر عن نجاح عملية الاستبدال فعليًا أم لا. ووجد مختبر الاقتصاد الرقمي في جامعة ستانفورد، الذي يتتبع بيانات رواتب ADP التي تغطي نحو واحد من كل ستة عمال أمريكيين، أن توظيف الفئة العمرية من 22 إلى 25 عامًا في المهن الأكثر تعرضًا للذكاء الاصطناعي، ومن بينها تطوير البرمجيات، ينحرف بوضوح عن توظيف العمال الأكبر سنًا في المهن نفسها: بفجوة بلغت 15 بالمئة في بيانات يوليو 2025، اتسعت إلى 19 بالمئة بحلول يونيو 2026، مدفوعة أساسًا بانخفاض التوظيف لا بحالات التسريح، بحسب ما ينقله MarkTechPost.
تنقل CIO التباطؤ نفسه من جانب التوظيف. ففي الولايات المتحدة، يبلغ معدل البطالة بين خريجي هندسة الحاسوب الجدد 7.5 بالمئة وبين خريجي علوم الحاسوب 6.1 بالمئة، وفق توقعات بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك التي تستشهد بها CIO — وهي نسب أعلى بكثير من معدل البطالة الوطني البالغ 4.3 بالمئة، وأعلى بشكل ملحوظ من نظيراتها لدى خريجي التمريض (1.4 بالمئة) أو الهندسة المدنية (1 بالمئة). ووجد استطلاع أجرته Resume.org على 1000 من قادة الأعمال الأمريكيين أن ست شركات من كل عشر من المرجح أن تسرّح موظفين خلال عام 2026، وأن أربعًا من كل عشر تخطط لاستبدال بعض هؤلاء الموظفين بالذكاء الاصطناعي، بحسب CIO. وقال المهندس البرمجي الخبير تشيراغ أغراوال لموقع CIO: "لماذا نوظف مبتدئًا براتب 90 ألف دولار بينما يكلف GitHub Copilot 10 دولارات فقط؟"، واصفًا كيف تحوّل دوره من كتابة الكود إلى التحقق من نتاج الذكاء الاصطناعي بحثًا عن الحالات الحدّية والثغرات الأمنية. وقال راتشيت غوبتا، رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في شركة الاستشارات Tredence، لـCIO إن الذكاء الاصطناعي بات يتولى اليوم جزءًا كبيرًا من إصلاح الأخطاء وكتابة الاختبارات والكود النمطي الذي كان المبتدئون يصقلون مهاراتهم عليه، لكنه أضاف أن الحكم في مسائل البنية المعمارية والامتثال والأمن ما زال بيد المهندسين ذوي الخبرة.
بالنسبة للشركات، فإن الحسابات العملية فورية: فتوظيف عدد أقل من المبتدئين يوفر المال في فترة التباطؤ الاقتصادي، لكن الحجة الأساسية التي يطرحها MarkTechPost هي أن المهام المُقنَّنة — تلك التي يتقنها المبتدئ فور التحاقه — هي بالضبط ما تقوم الوكلاء بأتمتته، في حين أن الحكم الضمني الذي يمتلكه المهندسون الخبراء هو بالضبط ما كانت هذه المهام يُفترض أن تُعلّمه أثناء العمل. وهذا يترك أصحاب العمل أمام سؤال لا يكاد أحد يخصص له ميزانية: من سيدرّب الجيل المقبل من المراجعين إذا اختفت الدرجات الأولى من السلم. أما بالنسبة للخريجين الذين يدخلون سوق العمل الآن، بما في ذلك في الدول العربية حيث تنتشر أدوات البرمجة بالذكاء الاصطناعي نفسها، فإن قراءة كلا التقريرين تتفق: الوظائف المبنية على كتابة كود نمطي تتقلص، بينما يحتاج من يُوظَّف فعلًا إلى إثبات قدرته على مساءلة الكود المُولَّد بالذكاء الاصطناعي واختباره وتصحيحه، بدل الاكتفاء بإنتاج المزيد منه.
المصادر
- What Would Have to Be True for Agentic Coding to Replace Junior EngineersMarkTechPost · ٢٦ أغسطس ٢٠٢٦
- Demand for junior developers softens as AI takes overCIO · ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٥



